ابن أبي مخرمة

117

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

ولما بلغ صلّى اللّه عليه وسلم عشرين سنة . . حضر مع عمومته حرب الفجار في شوال ، سمي بذلك لكونه في الأشهر الحرم ، ورمى فيه صلّى اللّه عليه وسلم بأسهم ، وكان بين قريش وهوازن « 1 » . ولما بلغ صلّى اللّه عليه وسلم خمسا وعشرين سنة . . خرج ثانيا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى في تجارة لها ، وكانت استأجرته على أربع بكرات « 2 » حتى بلغ سوق بصرى ونزل تحت شجرة ، فقال نسطور الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي « 3 » . وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلّانه صلّى اللّه عليه وسلم من الشمس ، فأخبر خديجة بذلك ، فرغبت فيه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لما سبق لها من سابق السعادة ، فخطبته إلى نفسها ، فتزوجها صلّى اللّه عليه وسلم بعد رجوعه من الشام لنحو ثلاثة أشهر ، وكانت خديجة إذ ذاك ابنة أربعين « 4 » أو خمس وأربعين أو خمسين سنة « 5 » . ولمّا بلغ صلّى اللّه عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة . . بنت قريش الكعبة ، وتنافسوا في وضع الحجر في محله ، فاتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم ؛ فكان أول داخل عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فوضع الحجر بيده الكريمة في موضعه « 6 » وذلك في يوم الاثنين . ولمّا بلغ صلّى اللّه عليه وسلم ثمانيا وثلاثين سنة . . كان صلّى اللّه عليه وسلم يرى الضوء والنور ، ويسمع الصوت والنداء ، ولا يرى أحدا « 7 » ، وحبّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء « 8 » ، وكان عبادته الذكر ، وقيل : الفكر . قال الشيخ العامري : ( والظاهر : أنه كان قبل النبوة يدين بشريعة إبراهيم .

--> ( 1 ) انظر « سيرة ابن هشام » ( 1 / 184 ) ، و « طبقات ابن سعد » ( 1 / 104 ) ، و « الروض الأنف » ( 2 / 146 ) . ( 2 ) البكرات - جمع بكرة - وهي : الفتيّة من الإبل . ( 3 ) أي : ما نزل تحتها هذه الساعة إلا نبي . وانظر « الروض الأنف » ( 2 / 151 ) ، والتعقب عليه في « سبل الهدى والرشاد » ( 2 / 218 ) . ( 4 ) وهو الراجح من الأقوال ، وهو قول ابن سعد ( 1 / 109 ) ، والطبري ( 2 / 280 ) ، وانظر « سبل الهدى والرشاد » ( 2 / 225 ) . ( 5 ) أخرجه أبو نعيم في « الدلائل » ( 1 / 219 ) ، والبيهقي في « الدلائل » ( 2 / 66 ) . ( 6 ) أخرجه أحمد ( 3 / 425 ) ، والطيالسي ( 113 ) ، والبيهقي في « الدلائل » ( 2 / 56 ) ، وغيرهم . ( 7 ) أخرجه مسلم ( 2353 / 123 ) ، والحاكم ( 2 / 627 ) ، والبيهقي ( 6 / 207 ) ، وأحمد ( 1 / 266 ) . ( 8 ) أخرجه البخاري ( 4 ) ، ومسلم ( 160 ) .